خليل الصفدي
400
أعيان العصر وأعوان النصر
كان مولده في شوال سنة سبع وستين وستمائة . وكان قد حفظ « التنبيه » - فيما أظن - ، و « المنتخب » في أصول الفقه ، والمحصل في أصول الدين ، وكتب المنسوب الفائق ، كان يقال : إنه ما كتب على نجم الدين بن البصيص أحسن منه ، ومن الشيخ بدر الدين حسن بن المحدث ، وخطه هو أحسن ، وقيل : إنه كان يكتب الكوفي طبقة ، وذكره شيخنا الذهبي في معجمه المختص ، فقال فيه : شيخنا عالم العصر . انتهى . وكان الشيخ من بقايا المجتهدين ، ومن أذكياء أهل زمانه ، تخرّج به الأصحاب ، وانتفع به الأئمة ، لم ير مثل كرم نفسه ، وعلوّ همّته ، وتجمّله في ملبسه ومأكله ، لم تزل تلاميذه الخواص على مائدته ، يحب الطالب الذكي ، ويجذب بضبعه من ورطة الخمول ، ويكبّره ويعظمه ، ويزهزه له ، ويسير إليه في البحوث ، ويصوّب ما يقول ويحسّنه ، ويعجب الحاضرين منه ، فعل ذلك بجماعة . ونزل للقاضي فخر الدين المصري من تدريس العادلية الصغيرة ، وما رأى أحد أسعد منه في علمه وقوله ، كان إذا دوغ أحدا بكلمة سوء لبسته من فرقه إلى قدمه ، وكذا في الخير غضب مرة على فخر الدين المصري ، فقال : من أرادني وأحبني فلا يكلمه ، وكان المسكين يراه الناس في الجامع ، فما يجسر أحد يسلّم عليه ، وعمل خطبة افتتحها بقوله : الحمد للّه الذي جعل « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » ، وكان لا يتعب التلميذ ، بل إذا رأى الطالب في دروسه وذهنه جيد ، وقد تعب على نفسه اجتذبه إليه ، ونوّه به وعرف بقدره ، فيعرف به ، وينسب إليه ، وإذا جاءه مبتدئ ؛ ليقرأ عليه يقل له : رح الآن إلى الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة ، وإلى الشيخ شمس الدين بن النقيب ، وإلى مجد الدين التونسي وإلى نجم الدين فإذا انتهيت عد إلي واشتهر في زمن أشياخه ، وتقدم عليهم إلى أن سادهم ، ورأس وساد في الدولة ، وطار ذكره . وصنّف رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في الطلاق ، ورسالة في الرد عليه في مسألة الزيارة ، وصنّف مصنفين في تفضيل البشر : أحدهما سمّاه « تحقيق الأولى في الرفيق الأعلى » ، وجوّده ما شاء ، وشرح من منهاج النووي قطعا مفرّقة ، وكان يلقي الدروس من نهاية المطلب ، وله رسالة سمّاها رابع أربعة نظما ونثرا ، وشرح في عمدة الأحكام قطعة . ودرس بالشامية البرانية ، والظاهرية الجوانية ، والرواحية ، وباشر في وقت دار الحديث الأشرفية تحت القلعة عوضا عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل تقدير نصف شهر ، ثم أخذها منه كمال الدين بن الشريشي في شعبان سنة عشر وسبعمائة .